الأربعاء , أغسطس 10 2022
الرئيسية / اخبار عالمية / مقالات و تدوينات / إغتصاب العقول ونشوة الجمهور !

إغتصاب العقول ونشوة الجمهور !

سعى الإنسان منذ قرون لمحاولة التحكم في اخوانه البشر وتعددت النظريات والأبحاث من علم النفس الي علم الإجتماع..وكان يفشل ككل مرة إلى أن صعد نجم <<بيرنير>> العرّاب الحقيقي لهندسة الجماهير “the engineering of consient” بعد تشّربه بأفكار “سيغموند فرويد” عن الوعى واللاوعى ,فاختلق مصطلح “هندسة الإجماع” أو “هندسة القبول” هي نظرية في حقيقية الأمر فحواها “إمكانية برمجة الجمهور أو إعادة صياغته عن طريق غرائزه ودوافعه الا عقلانية بما يتفق مع مصالح الساسة والنخبة الأكثر حكمة” وطبعا يكون هذا عن طريق الإعلام؛

فالإعلام له دور في صناعة المعنى الإجتماعي والسياسي وليس مجرد عارض محايد للرسائل يقف منها على مسافة واحدة. فما هي أهم الطرق والأساليب التي يعتمدها الإعلام لخداع الجمهور وأهم النظريات النفسية؟

إن مايعرضه الإعلام ربما لايكون إلا قمة جبل الجليد التي تخفي ورائها قدرا كبيرا من التخطيط والجهود والتكنولوجيا التي تستهدف الجمهور.. وليس فقط توليد الأفكار أو السلوكيات المتناثرة كلا بل نحن نتحدث عن “هندسة المجتمع” ككل بصورة شاملة ولتحقيق هذا أو الإستحواذ على المشاهد والسيطرة عليه يتم عرض المواد الإعلامية المبتذلة والمدمرة للقيم والأخلاق وصناعة الوهم وإستعمال آليات أخرى سنتطرق إليها لاحقا..

يمكن التحكم في سلوك الجمهور عن طريق التلاعب بنظامه الإدراكي أو مايمكن تسميته “هندسة الإدراك” وعلى سبيل الذكر فلنفهم أولا باقتضاب “perception system” أو النظام الإدراكي ،عادة ما ينظم الناس معتقداتهم وأفكارهم في أشكال ذات مغزى ومعنى معين ثم يدركون ويفسرون العالم الخارجي في إطار هذا المعنى أو المغزى وهذا مايزيدنا تفسيرا لعدم تطابق الفهم بين الأفراد لرسالة واحدة وهو إختلاف وتباين المعرفة الإدراكية واختلاف الأفكار والتصورات وعلى هذا الأساس يستخدم الإعلام هذه الحيلة ولنا مثال لمزيد من التوضيح عندما ترشح بيل كلينتون للمرة الأولى في أمريكا كان صغير السن وهذا يساهم في إضعاف فوزه وشعبيته حسب دراسة للمجتمع الأمريكي بتفضيله لرئيس كبير السن بدل صغير السن،فعند حضوره في منصة إعلامية ليتحدث عن رؤيته وبرنامجه طلب المخرج أن يوضع له “مكياج” خاص ليبدو أكبر قليلا من عمره الحقيقي حتى لايخسر ثقة الناخيبين..

ومن بين الإستراتيجيات الأخرى “التكرار” فالجمهور لايمتلك القدرة على مقاومة التكرار فقد يكذّب المتلقي مضمون الرسالة في بادئ الأمر لكن مع التكرار يتحول التكذيب الي شك ثم حيرة ثم تصديق وإستسلام.

كذلك يمكنهم من السيطرة وتمرير مايرددونه عن طريق نظرية اللعب “play theory of mass communication” وتسمى أيضا “نظرية الإمتاع” يشير مضمون هذه النظرية أن الجمهور لايستطيع الإستمرار في متابعة البرامج التي تتحدث عن المشكلات العائلية أو البرامج التي تحوي الخطب الدعائية السياسية فبالتالي يتم استغلال إزداوجية التّسلية والترفيه لتمرير مفاهيم وسلوكيات ومواقف تكون مقبولة في الحّس العام.

وهناك إستراتيجية أخرى أمامنا أهم مستفيد منها هم “السّاسة”.. قبل قرنين ونصف من الآن كتب المفكر السياسي الإيرلندي ” إدموند بيرك”(1729_1797) مبتكر مصطلح“السلطة الرابعة” الذي أطلقه على الصحافة محذرا من الخوف فقال: ليس هناك شعور يسلب العقل قدرة التفكير والتصرف بصورة مؤثرة مثل الخوف”.. وأكثر مستفيدا كما ذكرنا آنفا هم “السياسيون” فالسياسي الذي يريد دفع الجمهور للموافقة على سياسته وقراراته إما أن يدفعهم الي ذلك عن طريق ٱقناعهم بالمصلحة المترتبة أو يدفعهم للموافقة بالتخويف لتمرير قرارات صعبة أو للحّد من الحريات كإشعار الأمة بوجود خطر إستثنائي يتطلب إجراءات إستثنائية فيضطر الشعب للإصطفاف حوله وبهذا يكون قد تعرض لتنويم مغناطيسي. والثغرة التي تعزز تلاعب الإعلام بالجمهور غياب القدرة النقدية في كثير من الأحيان لدى المتلّقي وهم الفئة الأكثر انتشارا حتى أن بعض المثقفين يضطر الي تقبل الأفكار والمعلومات دون تمحيص وإعمال آلية النقد فالقدرة النقدية لأى إنسان ليست مطلقة وبالتالي يستغل مروجو الزائفات هذه النقطة مستعملين أسماء مشهورة لإيهام المتلقي بصدق المصدر.

يقول “أدورنو ” صناعة الثقافة في حاجة الي جماهير مروضة لتحقق وجودها وتتحول الى وسيلة من وسائل تكميم الوعى

. وكما نعلم جميعا لاقيمة للإعلام بدون جمهور بل تتحدد قوة الوسيلة الإعلامية قبل أي عامل آخر بقدر عدد متابعيها اذن كن حذرا أيها المشاهد وختاما إن لم تكن حذرا فإن الصحف ستجعلك تكره المقهورين وتحب أولئك الذين يمارسون القهر ” مالكوم إكس”.

بقلم اشراق الجباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *