السبت , يونيو 25 2022
الرئيسية / اخبار عالمية / مقالات و تدوينات / قراءة في “فكر” رضا لينين وعلاقته بمشروع قيس سعيّد

قراءة في “فكر” رضا لينين وعلاقته بمشروع قيس سعيّد

رضا لينين الّذي بات بين ليلة وضحاها أشهر من نار على علم بما سمعتُه عنه ومنه لا علاقة له باللينينيّة إلّا في بُعدها اليساري العام فهو أقرب إلى “اللوكسمبورغيّة”الّتي تحتفي ب”الديمقراطيّة” طريقا للسيطرة على “بنى المجتمع” خدمةً للطموحات العمّاليّة الثوريّة ..

******** ***

كان الرّجل قد أبدى تبرّؤه من “الوطد” الّذي كان قد انتمى إليه في مرحلة سابقة معتبرا أنّ دوره قد انتهى وفي هذا إشارة ضمنيّة إلى أنّ “البديل” أكثر “راديكاليّة”، لذلك نعتقد أنّه ورفاقَه يعتنقون “فكرا فوضويّا” يُسمّيه معتنقوه «لاسلطويّة» أو «أناركيّة» خاصّة أنّ رضا المكّي شُهر “لينين” سجّل موقفا واضحا في مناهضة دور رأس المال في العمليّة الانتخابيّة بشكل كامل وتبشيره بفكرة التطوّع التضامني مع تشديده على أنّ “النموذج السياسي التقليدي” قد استنفد تاريخيًّا كلّ أدواره وهو ما يتقاطع بشكل كبير مع المقاربة “الفوضويّة”،، وهي مقاربة لا تعادي “السلطة” في المطلق كما يعتقد البعض بل تُضادد “السلطة” في شكلها السياسي الكلاسيكي، وتطرح بدلا من ذلك رؤية لمجتمع ذاتيّ التنظيم ، وعليه، فإنّ «السلطة المحلّيّة العميقة» الّتي يؤمن بها الرّفيق “رضا” ليست سوى مرحلة تليها مراحل أي مجرّد نقطة على خط زمني متصاعد وليست “مرحلة نهائيّة” كما يطرحها سعيّد الّذي يطرح مقاربة جوهرها ذلك «الإنسان المتعيّن» الهيغلي !..

******** ***

للأناركيين راية تُحيل على فكرهم كثيرا ما يمتنع “المخطّطون الاستراتيجيّون” عن رفعها مخاتلةً ومداراة،، وهي راية تتركّب من لونين اثنين هما الأحمر (يرمز للدم) والأسود (الاصطدام العنيف بالسلطة) مع حرف A كإحالة رأسيّة على المصطلح الغربي (Anarchisme)..

******** ***

ما يبدو أوضح من أن نشير إليه هو أنّ قيس سعيّد واجه ويواجه حملة معادية مزدوجة وممنهجة تقوم على التهويل والترهيب وكثير من المحسوبين على الثورة من “اليسار” و”اليمين” وقعوا في الفخ ، فسعيّد على مسافة واحدة من “اليسار” ومن “الإسلام السياسي” وحتّى مواقفه تنهل من المعينين المتقاطعين في نقدهما الجذري للرأسماليّة ول”الدولة الحديثة” أو “المحدّثة” (أي ذات الحداثة القشريّة الناجمة عن عمليّة تحديث قسري) باصطلاح هشام شرابي وهو ما سهّل ربّما ضربه من الجهتين، وهو على كلّ حال استهداف بارادوكسالي يصلُح قرينة قويّة تبدّد جميع الشكوك حتى دون الاشتباك بالتفاصيل المضمونية، إذ كيف للشيء أن يكون هنا وهناك في الوقت نفسه ! ..

******** ***

بالنسبة إلى استحضار ما آل إليه تطبيق نموذج “المؤتمرات” و”اللجان الشعبيّة” في ليبيا فلا نراه في طريقه لاختلاف التفاصيل والسياقات إذ لا يمكن مقارنة تجربة خرجت من بطن نظام منغلق بأخرى تخرج من رحم “نظام منفتح” إذ إنّ ثمار “الديمقراطيّة الشعبيّة المباشرة” كانت تقف عند أعتاب الأوليغارشيّة القذّافيّة الحاكمة ناهيك عن خلل التطبيق ..

******** ***

في المقابل لا يمكن كذلك الاستبشار باستدعاء نموذج «الدّيمقراطيّة السويسريّة المباشرة» وإسقاطه على النموذج الّذي يقترحه سعيّد، فسويسرا ملاذ المال الفاسد في العالم وبالتالي هي بلد مرفّه اقتصاديًّا له تقاليد ديمقراطيّة وفي موقع مريح دوليّا (على “الحياد”) ولهذا انعكاساته المباشرة على “الناخب المحلي” فيها دون أن نذهل بطبيعة الحال عن فارق جوهري يتعلّق بطبيعة السلطة المركزيّة هناك والقائمة على المشاركة السياسية الواسعة والممثّلة لمختلف ألوان الطيف السياسي (“حكومة ائتلافية مستقرّة” من 7 وزراء يُختار من بينهم رئيس دوريًّا)..

******** ***
على ما يبدو فقد استغلّ “رضا لينين” قربه “العادي” من سعيّد (لم يكن مدير حملته كما رُوِّج) للرّكوب على حدث اقتراب الرّجل من قصر قرطاج للتسويق لفكر معزول في تونس وعلى قدر كبير من الانحسار بين مجموعة ضيّقة تعرف بعضها البعض وكان لها حضور عابر في الشارع من خلال حملة “فاش تستناو”التي اشتركت فيها الجبهة الشعبية اليساريّة اللينينيّة ورُفعت فيها رايتها الشهيرة ..

******** ***

ولاشكّ أنّ البُعد الاجتماعي لمشروع سعيّد وأفقيّته ونفَسه الاشتراكي كلّها عوامل شكّلت ثغرة “مرجعيّة” تسلّل من خلالها هؤلاء إلى صدارة المشهد بدعوى أنّ أستاذ القانون الدستوري يستبطن فكرهم ويمارس التقيّة السياسيّة معتقدين أنّهم يمكنهم استغلال رؤيته اللامركزيّة (غير النّاضجة) لتسريب أفكارهم الجذريّة محلّيا وشيئا فشيئا خاصّة مع شيوع مزاج شعبي ساخط على “المنظومة” ومشنّع ب”المؤسسة” وب”النخبة” وب”الحزب”، فهُم يدركون أنّ نظام الاقتراع على الأفراد في دوائر صغيرة هو “حل مأزقي” بالنّظر إلى ما يمكن أن يؤدّي إليه لدى النائب من تغليب لنوازع خدمة المصالح المحليّة والخاصّة على حساب المصلحة العامّة بما يُفرغ النيابة من مفهومها السياسي الحديث أي مضمونها الشعبي لا المناطقي فضلا عن زيادة فرصة وصول محدودي الكفاءة إلى “المجلس التشريعي الوطني” بما يبيّئ الظروف لإضعاف “السلطة المركزيّة” بما هي وسيط وظيفي/تاريخي لقولبة التفكير وتعليب “الوعي الجمعي”،، لذلك لم نستبعد أن تكون حملات النظافة المتزامنة والتي وصلت إلى القرى والأرياف مقدّمة عمليّة لتخفيف صلة “الفرد” بالمركز !..

******** ***

قصارى القول ..
الفوضويّون” في تونس أقليّة وهم على هامش المجتمع، معزولون ولا حاضنة شعبية لهم ، ولتقريب الصورة هم أقلّ شأنا من “اليسار الحزبي” بنتائجه الصفريّة المعروفة !..
وحتّى لو مرّ مشروع قيس سعيّد الأفقي المتعلّق بالجهات (وهذا مستبعد) فإنّ ما يعوّل عليه “اليساريّون الفوضويّون” لن يجدوه، بل إنّهم لن يعثروا في مآلاته إلّا على نقيضهم المرجعي وضديدهم الإيديولوجي المدعوم بقوّة رمزيّة وماديّة صُلبة !!!..

✍️ الكاتب صابر النّفزاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *