الإثنين , أكتوبر 3 2022
الرئيسية / Uncategorized / نظريّة «صدام الحضارات» .. استدعاء ومراجعة !

نظريّة «صدام الحضارات» .. استدعاء ومراجعة !

بقلم: صابر النفزاوي

بعد أن نشر“صمويل هانتنغتون” مقالته الشهيرة «الصدام الثقافي» سنة 1993 في مجلة“قضايا خارجية Foreign Affairs”الأمريكيّة وطوّرها في كتاب «صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي»(1) المنشور سنة 1996 أثار من حوله جدلا واسعا و أسال الكثير من الحبر إذ فتح أفقا جديدا في التفكير السياسي معزّزا توجّسا قديما لدى عموم “الإسلاميّين” من الآخر الثقافي الّذي لا يرونه إلا عدوّا للإسلام فقط لأنّه “دين مختلف”، فبعد أن كنا نتحدث عن العوامل الاقتصاديّة و الإيديولوجيّة كعوامل أساسيّة في توتّر العلاقات الدوليّة صرنا بعدما طالعنا به “هانتنغتون” نتكلم عن الدوافع الثقافية للنزاعات العالمية-أو لنقل صاروا يتكلمون عن تلك الدوافع-هذا الكتاب ذو أبواب خمسة متمثلة في :”عالم الحضارات و التوازن المتغير بين الحضارات و بروز نظام الحضارات و صدام الحضارات و مستقبل الحضارات ..وهذه الأبواب تنقسم بدورها إلى اثني عشر فصلا يذهب فيها هذا المنظر الأمريكي إلى التأكيد على التصادم الحضاري المرتقب إذ بالرغم من إقراره بتداخل الحضارات و امتزاجها، فإنه يجعل من هذا التداخل أحد مسببات التصادم و التناحر، باعتبار الفروق الشاسعة في مستوى الدين و التاريخ و اللغة و حتى العادات، كما أن هذا التقارب يوجه الشعوب نحو تحصين انتماءاتها الثقافية المتمايزة والدفاع عن كينونتها الحضارية أمام الآخر الحضاري فالاستفزاز الخارجي يجعل الإنسان-فردا أو جماعة-في مواجهة مباشرة و حتمية أمام هويته التي خرجت من طور اللاوعي “الجمعي”إلى الوعي، كما أن النزعة إلى التكتل الاقتصادي حسب “هانتنغتون”قد استحالت إلى تكتل ثقافي بالأساس قد ينتهي بصراع بين حضارات قد تتبلور في لحظة تاريخية[ما] ، هذه الحضارات أو التكتلات الثقافية المتوثّبة للظهور هي:
– الحضارة الغربية.
– الحضارة الإسلامية.
– الحضارة اللاتينية.
_ الحضارة البوذيّة.
– الحضارة اليابانية.
– الحضارة الصينية(على عكس مقاله.. لم يستخدم “هنتنغتون” في كتابه توصيف “كونفوشيوسيّة”)
– الحضارة الهندية.
– الحضارة الإفريقية.
– الحضارة الأرثوذكسية.

*********** ***

و يسترسل هذا المفكر السياسي في تأكيد ما ذهب إليه، لينتهي إلى حتمية المواجهة بين الحضارتين الإسلامية و الغربية (بشكل خاص) لأسباب ذكر منها تزايد أعداد المسلمين حول العالم و انشدادهم المتفاقم إلى الدين؛ التغلغل العسكري و الثقافي في العالم الإسلامي؛ انتفاء الخطر الأحمر- مع انهيار الاتحاد السوفييتي-حيث أوجد الغرب لنفسه عدوا جديدا –هو الإسلام-..و في الحقيقة استنجد “هانتنغتون”بحجج عديدة ؛إذ أحال إلى أحداث منطقة البلقان حيث يتحدد النزاع بالعوامل الثقافية بين محور إسلامي يضم تركيا ، البوسنة و ألبانيا و محور مسيحي أرثوذكسي يشمل صربيا اليونان بلغاريا، كذلك وقعت الإشارة إلى صراع روسيا والشيشان كصراع ثقافي و لو تأملنا ما يحدث اليوم من توترات و صراعات محتدمة في مناطق شتى من العالم يُخيل لقارئ الأحداث المتسرع أن ما أتى به “هنتنغتون”متجسد في الواقع و متمظهر فيه فحروب أفغانستان و العراق مثلا و النظر إلى الاتحاد الأوروبي كناد مسيحي، و ما يتعرض له العرب و المسلمون من ظلم واضطهاد قد رسخ في أذهاننا أكثر فأكثر فكرة”صدام الحضارات” .

*********** ***

غير أنّ ما نراه هو أن الدوافع الحقيقية لمثل هذه الصراعات هي اقتصادية و استراتيجية و أحيانا إيديولوجية و علاقتها بالاختلافات الثقافية و الحضارية ضعيفة (إن لم تكن منعدمة) فدولة مثل الولايات المتحدة هي دولة قائمة على أساس نفعي براغماتي لا تؤمن بالأديان و الثقافات بقدر ما تقدس المصلحة المادية المباشرة حيث لا مكان للروحانيات و الأخلاقيات في سياستها الخارجية حتى و إن بدا ما تفعله كذلك فمثلا هجومها على أفغانستان كان لغاية الاقتراب من بحر قزوين معقل النفط الجديد و كذلك لاحتواء النفوذ الروسي في الجمهوريات السوفييتية السابقة، واحتواء إيران هذا إضافة إلى سحق الحركات الأصولية المتمثلة في الأفغان العرب الذين يدعون إلى خروجها من الخليج و القضاء على معاقل تنظيم القاعدة ليس كجماعة إسلامية بل كجماعة تهدد المصالح الأمريكية، كما أن غزو_العراق كان لما يمثله النظام السابق[نظام صدام حسين] من خطر(ما) على الكيان الصهيوني و المصالح الأمريكية في المنطقة و خاصة من أجل السيطرة على نفط أحد أكبر منتجي الذهب الأسود في العالم و كذلك تطويق إيران شرقا – من خلال أفغانستان-و غربا عبر العراق .

*********** ***

أمّا عن مسألة النزاع الروسي الشيشاني فهو نزاع اقتصادي استراتيجي أيضا، فالروس متمسكون بالشيشان لما تختزنه الأرض الشيشانية من ثروات من ذهب و يورانيوم و أكثر من 1500 بئر بترول –يُذكر أن النفط الشيشاني هو أجود أنواع النفط في العالم- كما أن معظم أنابيب الغاز من كازاخستان و تدجاكستان إلى روسيا تمر عبر الشيشان والتي تُعد كذلك منفذا إلى بحر قزوين، كما أن منح الاستقلال للشيشانيين قد يدفع ببقية الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى النسج على منوالها و طلب استقلالها.أما عن مقولة الاتحاد الأوروبي ناد مسيحي، فهذا كلام فيه مواطن تحفظ عديدة؛ فمن يطّلع على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان يجد (2) تقييدا للحريّة الدينيّة بأطر تشريعيّة توضَع “لصالح أمن الجمهور وحماية النظام العام والصحة والآداب أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم”، لنكون بالتالي أمام تسييج “علماني”للحريّة لا دوْر للدين فيه..

*********** ***

وحتّى رفض انضمام تركيا من قبل معظم دول الاتحاد هو لأسباب موضوعية كعدم الاعتراف بالمذابح التي يُزعَم أنّها ارتُكبت في حق الأرمن و عدم المضي قدُما في “دمقرطة”المؤسسات و وجود بعض الفصول القانونية المتعارضة مع القيم الأوروبية التي لها أساس ديني يتنافى مع الطابع العلماني لأوروبا، لذلك خليق بنا أن نتحدث عن “أوروبا علمانية”لا عن “أوروبا مسيحية”، وحتى استعداء الأتراك باستدعاء عرَضي للبعد الديني يُخفي صراع تموقعات ومصالح بالاساس بينهم وبين الفرنسيين والألمان المتخوّفون من تصاعد القوة التركية على حساب النفوذ الفرنسي والألماني في أوروبا خاصة أنّ تركيا تشكّل قوة ديمغرافية وبالتالي ستشكّل قوة انتخابية كبيرة في حال انضمامها رسميا إلى الاتحاد ، كما علينا ألا نذهل عن أنّ تركيا المسلمة(3) عضو في حلف غربي-نصراني (حلف الناتو)، وإن كانت هناك دول “نصرانيّة” تمانع انضمام الأتراك للاتحاد (ألمانيا نموذجا) هناك في المقابل دول “نصرانية” أخرى لا ترى مانعا في ذلك (إسبانيا مثالا) ..

*********** ***

ولئن كان أكثر سكان الأرض اضطهادا من الغرب هم العرب و المسلمون فإن ذلك لا يعني حقيقة مقولة”صدام الحضارات”بل ذلك نتاج للثروات الهائلة المتناثرة على طول بلادهم وعرضها فضلا عن أهميّة الموقع الاستراتيجي كما أن وجود إسرائيل في قلب العالم العربي قد ساهم بشكل كبير في ذلك بسبب تراكمات تاريخية (لامجال لذكرها الآن) و لكن الأكيد أن أساس الصراع ليس ثقافيا،، وإلّا فلمَ لا يستهدف الغرب المالديف مثلا وهي أرخبيل مسلم، ومن المفارقات المضحكة أنّ “هنتنغتون” يقلب المعادلة بمغالطة عجيبة تنفي عن “عنف المسلمين” مبرِّر “ردّ الفعل” بقوله :”ويظلّ السؤال : لماذا والقرن العشرون يوشك على الانتهاء، نجد أنّ المسلمين همُ الأكثر تورّطا في مزيد من العنف بين الجماعات من شعوب الحضارات الأخرى”.

*********** ***

والخليق بالإشارة هنا هو ما استقرّت عليه مقاربات “الجيوبوليتيك” و”السياسة الدوليّة” خلال العقود الأخيرة، فقد باتت نظريّة “نيكولاس سبيكمان” قيد التطبيق بُعيد ظهورها منتصف القرن العشرين، شدّد “سبيكمان” في مقاربته على ضرورة السيطرة على ما يُسمّى منطقة «الهلال الداخلي» للسيطرة على العالم ، وعمليّا تقع معظم بلاد المسلمين في هذا “المجال الجغراسياسي” (العالم العربي، إيران، أفغانستان، جنوب شرق آسيا،الصين …إلخ) (4) ..

*********** ***

والحقيقة إن أفكار أستاذ جامعة “هارفارد”تنضح صهيونية و هو على الرغم من اطلاعه على الحياة السياسية عن كثب من خلال عمله كمستشار للرئيس السابق”جيمي كارتر”إلا أنه أظهر ولاء أعمى للقيم الغربية “المتصهينة”و لكن ما يُسجل لهانتنغتون هو تأكيده على بداية نهاية الحضارة الغربية و هو بذلك يحذو حذو “ابن خلدون”و “توينبي”في تأكيد سقوط الحضارات ما أن تبلغ قمة تألقها و توهجها و رغم الثغرات الصارخة و الهنات التي وقع فيها كتابه “صدام الحضارات و إعادة بناء النظام العالمي”،فقد وجد أنصارا كثيرين بادروا إلى تكذيب الرئيس الأمريكي السابق”جورج والكر بوش” حين أبدى اعتذاره عن حديثه عن حرب صليبية جديدة بين الغرب و المسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر WAR CROSS و لم يصدقوه و راحوا ينعتونه بالكذب ويتّهمونه بالتضليل و فسروا زلة لسانه تلك تفسيرا”فرويديًّا” ناسبين ما قاله إلى اللاشعور..و الحقيقة أنّنا نصدّق بوش حين عبر عن أسفه، مقتنعا تماما أن امريكا دولة لا تعترف بالأديان و المثاليات بل تحكمها أهداف استراتيجية معينة رهانها الهيمنة على العالم ولا يمكن لبلد صنيعة فلسفة مادية ذرائعية أن يتحدث بلغة”صراع الأديان”فالصراع الحقيقي بالنسبة إلى الأمريكان هو “صراع المصالح”و لا شيء غير ذلك ..ولاشك أن الحكومة الأمريكية لو وجدت مصلحتها مع الشيطان نفسه لما تأخرت في التحالف معه .

*********** ***

و في الحقيقة فإن تكذيب المكذبين لبوش الابن يعود لعقلية التوجس و الريبة و توقع المؤامرة من العدو وهذه العقلية ليست مفيدة دائما كما تبينا ..فلنثق بسيّد البيت الأبيض هذه المرّة و…. نصدّقه؛ ولا تغرنّنا “الهنتنغتونيّات”، صحيح أنّ دور الدّين في الولايات المتحدة لا يُنكر، إلاّ أنّ هذا الدور كثيرا ما يتقاطع مع منهجها البراغماتي، فكثيرا ما تُتّخذ الشعارات الدينيّة مطيّة لتحقيق مآرب سياسيّة صرفة،الخطاب الديني ضروري للسياسيين الأمريكيين مهما كانت درجة تديّنهم لأنّ الشعب الأمريكي هو شعب متديّن يؤمن بأنّ أمريكا تحمل قيما كونيّة عليْها نشرها، وفكرة “الولايات المتحدة مدينة على التل”-CITY ON THE HILL-المترسّخة في العقل الجمعيّ الأمريكيّ تجعلها في نظر الأمريكيّين الدولة الأم التي يحتاج إليها العالم، لكن، عندما تلقي نظرة على طريقة تعاطي واشنطن مع الملفات الدوليّة نلمس ذلك الكيْل بمكياليْن، هذا الكيْل بمكياليّن هو دليل على الطابع البراغماتي للسياسة الخارجية الأمريكيّة، علاوة على ذلك نحن نرى صلف السلوك الأمريكي حول العالم وممارسته لأقذر الأساليب لتحقيق مصالح سياسيّة في نأي واضح عن روح جميع الاديان الوضعية والسماويّة، صحيح أنّ “رعاية”الكيان الصهيوني تُقدّم أحيانا على أنّها قضيّة دينيّة خاصة من قبل المحافظين الجدد باعتبار أنّ الأصوليين المسيحيين يعتقدون بضرورة وجود “إسرائيل قوية”عند عودة المسيح إلى الأرض، إلا أنّ ذلك يجب ألا يُعميَنا عن تقاطع الديني مع السياسي ما يساعد على استغلال ماهو ديني لفائدة ما هو سياسي، فوجود إسرائيل في قلب العالم العربي هو ضرورة استراتيجية لشقّ بلاد العرب إلى نصفيْن والحيْلولة فيما بعد دون قيام وحدة عربيّة تعيق النزوع الإمبريالي الأمريكي واشتفاف عُصارة الأرض العربيّة.

*********** ***

ويأتي الصراع السعودي الإيراني الذي يصل حدّ العداء الصريح كأحد مستجدات القرن الحادي والعشرين التي قوّضت وبشكل شبه كامل نظرية صدام الحضارات ، فالحضارة الإسلامية التي وضعها هنتنغتون في الضفة الأخرى من الحضارة الغربية “تبيّن” أنّها ليست كتلة هوويّة صمّاء بما أنّ مؤثّثيها (المسلمون) باتوا على طرفيْ نقيض ليس مذهبيا فقط بل سياسيا أيضا، بل إنّ كليْهما (السنّة والشيعة) يستقوي على الآخر بالغرب ذلك المقابل الحضاري المفترض ليتأكّد ذلك التداخل المتقدّم والمعقّد بين الدول بوحيٍ من تقاطع المصالح وتشابكها ..

*********** ***

ولئن كان هاجس تمدّد الإسلام في الداخل يشغل موسكو لكن لا يمكن اعتبار هذا الهاجس عاملا أساسيّا أو سببا رئيسا في رفض انفصال الشيشان، فإذا كانت كلّ خشية الروس تتلخّص في”أسلمة المجتمع الروسي” فمن باب أولى وأحرى أن تمنح الاستقلال للإقليم “المتمرّد”حتى تحتفظ برقعة أورتودوكسيّة “نقيّة”..

*********** ***

لاشكّ أنّ هناك قلقا غربيا من انتشار الإسلام في أوروبا باعتبار تعاظم أعداد المسلمين فيها إلى درجة بات فيها مركز بيو للأبحاث يرجّح أنّه بحلول عام 2050 ستتحوّل الأغلبيات المسيحيّة في كل من فرنسا وبريطانيا وأستراليا إلى “أقليّات” بالنسب التالية(44,1 بالمئة)، (45,4 بالمئة)، (47 بالمئة)، هذا التوجّس حقيقة لا مراء فيها لكن لا يمكن اعتباره دليلا على وجود مبرّر ل”حرب غربيّة على الإسلام”، قوّة المنظومة الغربيّة ترتكز على ثروات“العالم الإسلامي” ومن الطبيعي والحال تلك أن يُخشى من أن تميل كفّة التركيبة الديمغرافيّة لفائدة “ممثّلي” هذا العالم بما يشكّل في النهاية خطرا استراتيجيًّا على مصالحهم، ولا يعني كلامنا هذا انعدامَ “الهاجس الديني” بل ما نريد التشديد عليه هو طغيان “الهاجس المادي” على “النوازع الروحيّة” التي لا يتبدّى منها سوى حرب الغرب على “الإسلام المقاوم” إن صحّ التعبير بمعنى ذلك الإسلام الّذي يتحدّث عن “الجهاد” و”المؤمن القوي” وما إلى ذلك من التقعيدات الدينيّة التي تشكّل دعامات أساسيّة ل”الكرامة”و “السيادة” و”النضال”…وهو ما يمثّل عامل تشغيب على المشروع الإمبريالي الغربي، وما “مؤتمر الشيشان” الّذي انعقد منذ أربع سنوات (2016) إلّا تدليلا صارخا على طبيعة المعركة التي يخوضها الغرب ضدّنا، نحن اليوم في عصر سقوط القناع الديني وإن كانت عيون كثيرين لم ترصد هذا السقوط بعد، تجاوزت الدوائر الغربيّة مرحلة “تنصير المسلمين” إلى محاولة تنصير دينهم ذاته عبْر “روْحنته” و”تخليصه” من “شوائبه العقديّة” من “النهي عن المنكر” و”البراء” و”البغض في الله” و”تكفير الأفعال”و “فريضة الجهاد”..حتّى لا يبقى منه سوى طقوسه التعبّديّة (5) ، نحن هنا لسنا أمام “حرب على الإسلام” بل “حرب على نقاط القوّة في الإسلام”وحتّى لو سلّمنا جدلا بأنّها “حرب على الإسلام” باعتبار أنّ “الإسلام” كلٌّ لا يتجزّأ فإنّنا قطْعا إزاء تفصيل من تفاصيل المعركة الحقيقيّة بالنسبة إلى الغرب وهي معركة “المصالح”.

*********** ***

وحتى الصين بسياستها الحاليّة المناكفة للمسلمين تستثني في الغالب قوميّة ” الهوي ” وتخصّ أقليّة “الإيغور” المسلمة بالاضطهاد بسبب لغتها التركيّة وعدم انتشار اللغة الصينيّة بينها ومطالبتها باستقلال إقليم “شينغيانغ”(تركستان الشرقيّة) الّذي تمارس معه بيكين سياسة توطين “الهان” القومية الأكبر في البلاد لإفساد التكتّل الإسلامي والتشغيب على دعوات الاستقلال،هذا فضلا عن هاجس فقدان إقليم غني بالنفط لنكون بذلك أمام استهداف مسيّس للمسلمين لا استعداء “حضاري” للدين الإسلامي..

*********** ***

ويجب التمييز هنا بين إرهاب اليمين المتطرّف صليبيّ الخلفيّة في الغرب وبين سياسات القوى الغربيّة المعادية للمسلمين بصفتهم خطرا “ماديا” لا “عقديّا” يتهدّد مصالحهم، فلا يُعقَل والحال تلك التدليل على وجود صراع حضارات بحوادث استهداف مسلمين في هجمات إرهابية من أطراف يمينيّة، وإلّا لَجاز لنا بالمقابل التدليل على النقيض بسوْق عشرات الأمثلة لأوروبيين متسامحين مع المسلمين ويدافعون عنهم أمام بني جلدتهم من “اليمين” (6)، كما أنّ الكثير ممّن نقول عنهم إنّهم نصارى أوروبا هم في حقيقتهم “ربوبيّون” (Déistes) أي لا يؤمنون بالأديان وكثيرا ما نسمّيهم “ملحدين” تجاوزا ، وعداء هؤلاء للإسلام عداء عنصري/اجتماعي يفسّره الوجود المتعاظم للمسلمين ومناكفتهم لنمط العيش الليبرالي، فمعظم الكاثوليك في أمريكا اللاتينيّة لا في الرقعة الأوروبيّة، فالكاتب الفرنسي “رونو كامو” مثلًا حتّى وهو يستنكر الوجود الإسلامي والإفريقي وتمدّده في أوروبا حتّى أنّه ألهم بأفكاره إرهابي مسجد نيوزيلندا وأوحى له بتنفيذ جريمته فإنّه في المقابل قد وجّه انتقادات حادّة للحكومات الفرنسية المتعاقبة على خلفيّة ما اعتبره تواطؤا منها مع هذا “الغزو الثقافي الخارجي” وهذا يؤكّد ما أشرنا إليه أعلاه م ضرورة الفصل بين “الرسمي” وبين “غير الرسمي” في علاقة بشكل التعامل المسلمين ..

*********** ***

وإذا تصفّحنا كتاب “سلام ما بعده سلام” لدافيد فرومكين سنجد كيف أنّ البريطانيين كانوا يتحرّكون في الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر بهاجس السيطرة على الهند موطن “التوابل” التي كانت تُعدّ ثروة استراتيجيّة تضاهي أو تكاد النفط في أيامنا هذه، حتّى أنّ بريطانيا كانت تفكّر في إلحاق العراق بجوهرة التاج البريطاني إداريًّا رغم بعد المسافة بين البلدين، وعليه؛ لم تكن محاربة الإسلام المحرّك الأساسي لسياسة الإنقليز في المنطقة.

************ ***

كثيرا ما يقع استدعاء تصريحات مسؤولين غربيين تتحدّث عن الطابع الصليبي للصراع بين الغرب والمسلمين ،، ما يتردّد هنا أو هناك لا يصلح دليلا يُساق لتأكيد وجود “الدافع الديني” لأنّ هذه التصريحات تعبّر غالبا عن مواقف شخصية لا مؤسّسية وكثيرا ما تتردّد في سياقات شعبويّة إمّا في إطار تعبئة انتخابيّة أو استنفار مرحلي لمواجهة خطر ما إذ يلعب العامل العقدي/النوستالجي دورا كبيرا في تحفيز العامّة و تغذية استعداد الأفراد للانخراط في “المعارك القوميّة”،، وأوضح الحجج الّتي تذحض منطق الاحتجاج بمثل هذه التصريحات هو ما يجري على أرض الواقع من أحداث ووقائع من جهة طبيعة السياسات الغربيّة حول العالم، فتركيا المسلمة أقرب إلى الغرب المسيحي من روسيا المسيحية (الأرتودوكسيّة) ..
ما نعتقده حقيقةً هو أنّ النموذج التحليلي القائم على ثنائيّة شرق/ غرب ، مسيحيّة/إسلام بحاجة إلى مراجعة تنسيبيّة أي إلى عقلنة وترشيد وربّما كان كتاب “صعود الأثرياء”(7) للاقتصادي الأمريكي بيتر غران من أبرز محاولات التنسيب في هذا السياق ..

*********** ***

ولا يفوتنا أن نشير في نهاية هذه الورقة إلى أنّ مقاربة “هانتنغتون” لمفهوم “الحضارة” زئبقيّة (غير منضبطة)، فهي لا تعني عنده (كما هو معروف معجميّا) فهما خاصا للعالم أو مجموعة تمثّلات مخصوصة للحياة بدليل أنّه لم يتردّد في التمييز بين “الحضارتين” اليابانية والغربيّة واستثناء أمريكا اللاتينيّة من “الغرب” كأنّ اليابانيين واللاتينيّين والغرب لا يلتقون على صعيد مرجعي واحد (الرأسماليّة)، لم يتحلّ الكاتب بصرامة التحديد المفهومي إلّا مع العالم الإسلامي حين وضع المسلمين في إطارهم الحضاري في محاولة لتأكيد حتميّة “صراعهم مع الآخر(الغربي)” نزولا عند إكراهات الهُويّة الدينيّة (الإسلامية) ليبرّر بذلك ضرورة التهيّؤ لمواجهة هذا “الخطر” غربيًّا، صحيح أنّ هناك توجّسا إسلاميا مترسّخا من النصراني واليهودي (“وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ”) إلّا أنّ ما يجب ما نراه في المقابل هو “السلوك الإمبريالي الغربي” الّذي يعزّز هذا التوجّس، وهو سلوك لا يغيب عنه “الدافع الديني” بكل تأكيد لكنّ حضور “المصلحة المادية المباشرة” فيه أقوى بكثير، إذ يكفي أن تتّبع “ملّتهم” (عمليًّا) حتّى تكون (منهم) وتأمن الكثير من شرورهم..، مع التشديد على فرادة حضور الدين في السياسة الأمريكية وتعقّد دوره في دولة تدخّلت براغماتيّة “وليم جيمس” (ت1910) و”جون ديوي” (ت1952) في بلورة توجّهاتها الخارجيّة العامّة.

*********** ***

** الأمريكيّون .. «أمّة تحيا بروح الكنيسة» ..

رغم أنّ “الدّين” يُسجّل حضورَه بقوّة في “المجتمع الأمريكي” ويتعامد وظيفيًّا مع الفلسفة السياسيّة الأمريكيّة بنفعيّتها وذرائعيّتها، فإنّ النّفس الديني الّذي يظهر بين الحين اولآخر في خطابات الرؤساء الأمريكيين “جمهوريين” و”ديمقراطيين” هو نفَس «مابعد علماني» أكثر من كونها نفسًا«دينيًّا»، بمعنى أنّ الرّئيس الأمريكي يؤمن بقدرة “العقيدة الدينيّة” على رفع الروح المعنويّة للأمّة وتحفيز قدرتها العمليّة على الصّمود والمواجهة.
نتحدّث هنا عن «الدين المدني» المصطلح الّذي صاغه عالم الاجتماع “روبرت بيلا” عام 1967 ليصف به الطبيعة الخاصّة لتغلغل “اللاهوت” بين الأمريكيّين كشعب “يباركه الرب”ّ، إنّه دين يسير جنبا إلى جنب مع “الكنيسة” لكنّه أعمق تأثيرا وأبعد أثرا (8) ،، وقد لخّص “هانتنغتون” هذا المعنى بتكثيف بليغ بقوله ّ«أمريكا أمّة تحيا بروح الكنيسة» (A Nation with the soul of a Church)، «الكنيسة» هنا تتجاوز في دلالتها “المسيحيّة/البروتستنتيّة” إلى معنى “الاصطفاء الإلهي” الّذي بدأ بمجموعة صغيرة شاءت السّماء أن تهاجر إلى “العالم الجديد” بنسخة أكثر صفاءً من بروتستانتيّة كنيسة إنقلترا ، نسخة سُمّيَت ب”البيوريتانيّة” (“التطهّريّة”)، لحظة التأسيس الديمغرافي هذه تركت أثرها عميقا في المجتمع والسياسة الأمريكيين رغم رفض “الآباء المؤسسين” أواخر القرن الثامن عشر التّنصيص على «المسيحيّة» دينا رسميًّا للدولة الوليدة، ومازلنا نرى على دولارهم عبارة «نحن نثق بالرب» We trust in God !..
إذن؛ وباختصار .. السياسيّون الأمريكيون لا يحتفون بالدّين بحدّ ذاته بقدر ما يحتفون بدور الدّين في المجتمع (9) ..

*********** ***

صفوة القول؛ إنّ”الفكر النفعي الأمريكي ليس مجرد البحث عن المصالح ولكنّه عمل فكري متكامل […]ولذلك فمن السطحيّة أن تبسّط البراغماتية الأمريكية إلى مشروع نفعي فقط، إنّها-وهو الأهم-رؤية متكاملة بديلة للأديان السماوية (10) .فلم يخطئ “تشرتشل”حين قال :”في السياسة ليس هناك صداقات دائمة و لا عداوات دائمة بل هناك..مصالح”، وهو ما يتنافى جوهريا مع الطرح الذي قدّمه لأول مرة “برنارد لويس” وأخذه عنه وطوّره “صامويل هانتنغتون”..

*********** ***

طبعا هناك من يتحدّث عن عالم المستقبليات الكبير المغربي مهدي منجرة كأوّل من أثار فكرة “صراع الحضارات” ،و هناك من يُحيل على “كارل شميت” وهو أحد منظّري النازية كأوّل محدّث بهذا الموضوع في كتابه “مفهوم السياسي” ويعتبره المعين الأساسي الذي نهل منه “هانتنغتون”، على كل حال قضية من أحرز قصب السبْق ليس موضوعنا في هذا المقام (11) ..

*********** ***

حتى ونحن نقلّب أوراق التاريخ المعاصر نلحظ طغيان المصلحية الماديّة على الفكر التآمريّ الغربي الذي ولّى وجهَه شطر ما يُعرف بحروب الجيل الرابع،، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ خلُص المؤتمرون في “مؤتمر كامبل السري [1907] الذي شارك فيه ديفد ولفسون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية إلى ضرورة العمل على تعميق تخلّف شعوب المنطقة العربية وانقسامها وزرع كيان “دخيل”في فلسطين حتى يتيسّر إحكام السيطرة على محيط استراتيجي مهم يشغل فيه البحر المتوسّط دورا محوريا بصفته جسرا طبيعيا بين الغرب والشرق وبين آسيا وإفريقيا فضلا عن كونه مهد الحضارات والأديان (…)، وكثيرون يروْن في مخطّط كامبل الأب الروحي” لاتفاقية سايكس_بيكو التقسيمية [1916] (12) فيما يشكّك البعض في وجوده أصلا ..

*********** ***

وحتى “بروتوكولات حكماء صهيون التي يحتجّ بها البعض لتبرير القول بوجود أوجه لصراع الحضارات فقد برّرت مخططها الكوني بالسعي إلى “السيطرة” على العالم فكانت مصبوغة بصبغة مادية صرفة، كما أنّها لم تخصّ الإسلام بحربها بل استهدفت العالم النصراني بشكل خاص لموقعه القياديّ ..

✍️صابر النفزاوي

هوامش :
1/ – هذا الكتاب ليس أهم ولا أعمق ما كتبه “هنتنغتون”(ت2008) لكنّه أكثر كتبه إثارة للجدل، يُشار عادةً إلى كتابه “النظام السياسي في مجتمعات متغيّرة” (1968) كأهمّ مؤلّفاته على الإطلاق، وهو كتاب بحث في إشكاليّة التنمية والتحديث في العالما لثالث، إذ اعترض اعتراضا جوهريا على الخلط الكلاسيكي بين “الاقتصادي” و”السياسي” مشدّدا على أنّ السياسة مسار مستقل عن الجانب الاقتصادي وأنّ دعم اقتصاديات دول العالم الثالث لا يعني بالضرورة وضعها في طريق الديمقراطية والتنمية السياسيّة.

2/ – الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان اتفاقية حماية حقوق الإنسان في نطاق مجلس أوروبا [روما 1950] الفقرة (2) من البند(9) :«تخضع حرية الإنسان في إعلان ديانته أو عقيدته فقط للقيود المحددة في القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصالح أمن الجمهور وحماية النظام العام والصحة والآداب أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

3/ – للاستزادة حول نظريّة “سبيكمان” نُحيلكم على كتاب «جيوبوليتيك .. عندما تتحدّث الجغرافيا» للد.جاسم سلطان ، ص66 -“تمكين للأبحاث والنشر”-.

4/ – لعلّ كتاب “سوء فهم قاتل” لمارك سيلجاندر هو أبرز مثال على محاولات التلفيق بين المسيحيّة والإسلام للتقريب بينهما ولا يتيسّر ذلك إلّا بإفراغ الإسلام من مضمونه، ويدخل في سياق هذا الاستهداف دعم “المداخلة” الّذين يرون أنّ حفظ الدّين موقوف على حفظ نظام الدنيا.

5/ – على سبيل الأمثلة لا الحصر؛ بتاريخ 20 مارس/ آذار 2019 وبعد الهجوم الإرهابي على أحد مساجد نيوزيلندا تعهّدت عصابة “مونغريل موب” بدعم الجالية المسلمة وحماية المساجد في البلاد، وأقدم شاب أسترالي “مسيحي” على رمي نائب بالبيض ردّا على تصريحاته العنصريّة بحقّ المسلمين…إلخ.

6/ – نتحدّث هنا عن القرب “الموضوعي” باعتبار تركيا عضوا بالناتو ومرشّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

7/ – حاول بيتر غران Peter Gran في هذا الكتاب توجيه أنظارنا إلى فكرة أساسيّة مفادها تضامن أصحاب رؤوس الأموال حول العالم من أجل تحقيق مصالحهم أو حمايتها على حساب الفقراء أو الأقل ثراءً مشدّدا على أنّ المسألة مادية ربحيّة صرفة و لا علاقة لها لا بالدين ولا باللغة ولا بالعرق.

8/ – للاستزادة يمكنكم العودة إلى كتابين مُهمّين في هذا السّياق ؛ الأوّل بعنوان «الدين في السّياسة الأمريكيّة» لمايكل كوربت وجوليا كوربت، والثاني لفرنك لامبرت بعنوان :«الدّين في السياسة الأمريكيّة» ..

9/ – وهو ما يجعلنا نرسم نقطة تعجّب كبيرة أمام “علمانيّينا” الّذين مازالوا عاجزين حتّى على رؤية “دين الأغلبيّة” كقوّة مجرّدة لتعزيز خطّ المقاومة الشعبيّة الشاملة أمام المخاطر المُحدقة، فهؤلاء فاشلون حتّى في أن يكونوا “براغماتيين/عمَلانيين” حقيقيّين !!!..

10/ – د.باسم خفاجي في كتابه”الشخصية الأمريكية وصناعة القرار السياسي الأمريكي”ص60 -61 صادر عن المركز العربي للدراسات الإنسانيّة –الطبعة العربية الأولى-.

11/ – الأمريكي برنارد لويس في كتابه :”في الإسلام” (2005) يقول إنّه أوّل من تحدّث عن “صدام الحضارات” وذلك منذ عام 1957 بمناسبة تأميم قناة السويس في مصر، كما سبق أن توقّع المؤرّخ الإنقليزي “أرنولد توينبي” (ت1975) في كتابه “الحضارة في الميزان” أن تتمحور كتابات المؤرّخين عن القرن العشرين حول “صدام الحضارات” أو ما سمّاه “اصطدام الحضارة الغربية بالحضارات الأخرى” ..

12/ – اتفاقية بين المملكة المتّحدة وفرنسا أميط عنها اللثام عام 1916 ، وتضمّنت خارطة لتقاسم النفوذ في غرب آسيا بعد انفراط عِقد الإمبراطوية العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى، وشملت الخارطة كلا من سوريا وفلسطين والعراق ولبنان…، وبعد هذا الاتفاق السري الذي اطّلعت روسيا القيصرية على تفاصيله ووافقت عليه جاء مؤتمر سان ريمو لتثبيت ما جاء في الاتفاقية سيئة الذكر وزادت عليه الالتزام بتنفيذ وعد بلفور المتعلق بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين ، وتأتي تسمية “سايكس-بيكو” نسبة إلى وزيريْ خارجية بريطانيا وفرنسا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *